المقالات

استكشف المقالات

كل مقالة هنا هي محطة في رحلة البحث عن نبض الإنسان، ورائحة الوطن، ودفء الحب والجمال. هنا تجد الكلمات التي تترك أثراً، والأفكار التي تلامس القلب.

كاتب سوداني يكتب كما يشعر — بصدق وحساسية، محاولاً في كل سطر أن يترجم تجربة الإنسان بعمقها وجمالها. الموضوعات تدور حول الهوية والوطن والحب، مع نظرة شاعرية تجمع بين الذاكرة الشخصية والرؤية الإنسانية الأوسع.

اختر ما يهمك، واقضِ وقتاً مع الكلمات التي تترك أثراً.

تصفح المقالات أدناه، واكتشف الأصوات والأفكار التي تعكس هويتك وتلامس روحك. كل عنوان يفتح نافذة إلى عالم من الأفكار والمشاعر — ابدأ رحلتك الآن.

جميع المقالات

قائمة شاملة بكل ما كتبته. كل عنوان هنا هو باب نحو فكرة، نحو شعور، نحو لحظة من لحظات البحث عن الجمال والمعنى. اختر ما يستهويك، واقضِ وقتاً مع الكلمات.

يا غابةً مِنّ الأبنوس وحدك

في نعي المناضل الإنسان دينق قوج

معتصم تاج السر

بقلوب حزينة ونفوس مثقلة بالفقد، ننعي المناضل الكبير دينق قوج، الذي رحل عن دنيانا بعد معاناة قصيرة مع المرض، تاركاً إرثاً وطنياً وإنسانياً سيظل خالداً في ذاكرة السودانيين بشمالهم وجنوبهم. لقد كان دينق قوج نموذجاً فريداً للمثقف والمناضل الذي حمل في قلبه حباً خالصاً للسودان، بشقيه الشمالي والجنوبي، وآمن بأن مستقبل البلدين يكمن في بناء دول مدنية ديمقراطية تسودها قيم الشفافية والعدالة.

سوداني الهوى والهوية

لم يكن دينق قوج مجرد اسم في سجل النضال الوطني، بل كان "زولاً سودانياً كامل الدسم"، شخصية جامعة تمثل الروح السودانية المتسامحة والمتفانية. عرف عنه عشقه للسودان بكل مكوناته، وحرصه على تجاوز الحواجز العرقية والجغرافية، رافعاً راية الوحدة والإنسانية فوق كل انقسام. لقد مثّل رمزاً شعبياً يلتف حوله السودانيون، سواء في الشمال أو الجنوب، لأنه كان يرى في الجميع إخوة في وطن واحد.

نضاله من أجل الدولة المدنية

آمن دينق قوج بأن الحل لمشكلات السودان وجنوب السودان يكمن في بناء دول مدنية ديمقراطية تحترم التعددية وتقوم على أسس الشفافية والعدالة. كان صوتاً مدافعاً عن حقوق الإنسان والحريات، وداعماً للتعايش السلمي بين مختلف الأعراق والمكونات. ظل يدعو إلى نبذ القبلية والطائفية، مشدداً على أهمية الوحدة الوطنية القائمة على المساواة واحترام التنوع الثقافي والاجتماعي.

دراسته في جامعة الزقازيق

بدأ دينق قوج مسيرته الأكاديمية في جامعة الزقازيق بمصر، حيث التقى بأجيال من الطلاب السودانيين وغيرهم من أنحاء العالم. كانت هذه التجربة محطة محورية في حياته، إذ صقلت وعيه السياسي والاجتماعي، وجعلته يدرك أهمية التعليم والمعرفة في تحقيق التحول الديمقراطي والتنمية. خلال دراسته، كان ناشطاً مؤثراً في الأوساط الطلابية، وكرّس جهوده لتعزيز قيم الوحدة والعمل الجماعي.

رمز شعبي

في شمال السودان وجنوبه

من النادر أن تجد شخصية تحظى بتقدير ومحبة واسعة في شطري السودان مثل دينق قوج. كان جسراً يربط بين الشمال والجنوب، وحلقة وصل بين الثقافات المختلفة التي تشكل الهوية السودانية. استطاع بحكمته وطيبته أن يكون رمزاً شعبياً يحظى بالاحترام من الجميع، لأنه لم يكن ينتمي إلا للوطن، ولم يدافع إلا عن قضايا المواطن السوداني البسيط.

وفاته خسارة وطنية

برحيل دينق قوج، فقد السودان وجنوبه أحد رموزه الوطنية الأصيلة، ورجلاً ناضل حتى آخر لحظات حياته من أجل قضايا الحرية والكرامة. كانت معاناته مع المرض قصيرة، لكنها لم تمنعه من الاستمرار في العطاء الفكري والنضالي. ترك وراءه إرثاً غنياً من القيم والمبادئ التي ستظل نبراساً للأجيال القادمة.

إرثه الذي يبقى

لن يكون دينق قوج مجرد ذكرى عابرة، بل سيظل اسمه محفوراً في وجدان السودانيين كنموذج للإنسان السوداني المتفاني الذي جعل من حياته رسالة محبة ووحدة. إرثه النضالي والفكري سيبقى مصدر إلهام لكل من يحلم بوطن تسوده الحرية والديمقراطية.

كلمة وداع

نودع اليوم دينق قوج، لكن روحه ستظل حاضرة بيننا، تنير دروب النضال من أجل سودان وجنوب سودان تسودهما قيم الشفافية والعدالة. نتقدم بخالص التعازي لأسرته وأصدقائه ومحبيه.

رحل دينق ولكن كلماته التي قالها يوم اندفاع حرب الخرطوم للمؤجرين لعقاراته في الخرطوم فقد قالها لهم عبر صفحته في الفيس بوك وهذا نصها:

"الكانوا مؤجرين بيوتي في الخرطوم العفو والعافية مافي أي حساب بينا وربنا يعوضكم"

أي نبل وأي إنسانية فيك أيها الأبنوسي المُعلم.

لقد رحل الجسد، لكن الحلم الذي حمله دينق سيظل حياً في قلوبنا جميعاً.

السودان ... كنوز محبة

معتصم تاج السر

لم تشتاق للمشاعر تملا دنياك بى عبيرها لم تشتاق للعواطف ابقى اسال عن قلوبنا تلقى فيها كنوز محبه تلقى فيها بحور حنان تلقى فيها الشوق بغنى تلقى فيها الريده فارده جناحها تشتاق للربيع

في التقاء البشيرين سيمفونية "كنوز محبة" تتوهج بالخلود.

عندما تلتقي الكلمات المرهفة بالألحان العذبة وتنطلق عبر صوت أسطوري تتحول "كنوز محبة" إلى لحظة خالدة تعبر عن وجدان السودانيين. كلمات الدكتور الإنسان بشير عبدالماجد التي تحمل في طياتها أعمق معاني الحب والوفاء تجد الحياة بين أنامل الوسيقار بشير عباس الذي صاغ اللحن كأنه نسمة صباح تُداعب أرواحنا.

لكن السحر يكتمل عندما يغنيها المبدع زيدان إبراهيم بصوته الدافئ الذي لا يشبه إلا الوطن نفسه عذباً حنوناً ومليئاً بالشجن. زيدان بصوته الرومانسي الذي يسكن القلوب جعل من "كنوز محبة" قصيدة حُبّ تُكتب في كل مرة تُغنى فيها.

"كنوز محبة" ليست مجرد عمل فني إنها حكاية وطن يحمل في أعماقه كنوزاً من العواطف والقيم النبيلة. إنها رسالة لكل سوداني تدعوه للتمسك بالمحبة كجسر يربط القلوب وكضوء يُنير دروب المستقبل.

في إلتقاء البشيرين بُشرىَ لهذا الشعب فيها تتجلى أسمى معاني الوحدة والإبداع. كلمات تلهم لحن يأسر وصوت يُحيي المشاعر. هذه الأغنية ليست فقط إبداعاً فنياً بل هي شهادة على عظمة قلب الإنسان السوداني.

إذا أردت أن تعرف معنى النبل والطيبة فأسأل عن القلب السوداني. هذا القلب الذي ينبض بالمحبة الصافية والألفة الصادقة المزروعة فيه جيلاً بعد جيل. إنه قلب الشعب الذي عرفته الإنسانية بكرمه وشهامته، وصدقه. ذاك القلب الذي لم يتوانَ يوماً عن نشر الخير أينما حلّ شعب علّم أشقاءهُ من العرب معنى العطاء والعمل. وأنار لمحيطه الأفريقي دروب النضال والثورات. وترك بصمة لا تُمحى في حياة كل من عرفه.

القلب السوداني هو بحر من الحنان وكنز من المشاعر النبيلة. في كل زاوية منه تلقى فيها الشوق يغني وتلقى "الريدة" فاردة جناحها تشتاق للربيع.

هذا القلب الذي يعرف كيف يحب وكيف يعطي بلا حدود، لا يستحق أن يُثقل بهذا الألم، ولا أن يُترك وحيداً في مواجهة عذابات الحرب. ولا يستحق الضياع. إنه شعب صبر وتحمل الكثير، لكنه ظل دائماً شامخاً بأخلاقه وقيمه. "الزول السوداني" ذلك الإنسان النبيل كان دائماً رمزاً للصدق والأمانة والعطاء بلا مقابل. هل يمكن لكل من يعرف قيمة هذا الشعب أن يسمح له بالغرق في دوامة الحرب والدمار؟

ما يمر به السودان اليوم ليس سوى امتحان آخر لصبر هذا الشعب الأبي المحتسب الذي طالما علّم الآخرين الصمود. لكن هل تُترك تلك القلوب المليئة بالمحبة والحنين لتضيع وسط ضجيج السلاح؟

إن السودان وشعبه يستحقان السلام يستحقان أن يعيشا في ظل الألفة والمحبة التي لطالما كانت عنواناً لقلوبهم التي أهدت العالم أعظم قيم الإنسانية تستحق هذة القلوب أن تُجبر وأن تعود إلى نبضها المعتاد من الفرح والمحبة والعطاء.

أَلَمْ يَأْنِ لهذا الشعب وساستهِ وحكامهِ أن يقدموا درساً آخراً للبشرية في التحدي والصمود والسِمو فوق الجراحات والألام...!!!

أن يتواثقوا ليكتب السودان عقد مجتمعي جديد ينبذ فيه كل أَتُون القبلية والجهوية والعنصرية وأحقاد النفس والمكاسب الشخصية والحزبية.

بحول الله السودان ...عائد وفي قلوب السودانيين سيولد سودان أخضر كقصيدة حُبّ لا تنتهي مكتوبة بمِدَاد أخضر على صفحة النيل ومحفوظة في قلوب أهله الذين هم أعظم كنوزه على الإطلاق.

رحم الله د.بشير عبدالماجد والموسيقار بشير عباس والمبدع زيدان إبراهيم.

نسأل الله أن يعود السودان كما عهدناه وطناً للخير والجمال والمحبة والسلام.

في عين المُحالّ

في ذكرى الاستقلال المجيدة

معتصم تاج السر

في ذكرى الإستقلال المجيدة ينبض القلب بحُبّ لا ينتهي لهذا الوطن الذي زرع فينا الأمل والحرية.

هي لحظة تجسد العشق الأزلي لهذا الوطن حيث يلتقي الماضي بالحاضر وتظل روح إنسانه حية تنبض بالحرية والعزة في كل شبر من ترابه الطيب مهما هَجرتهم منهُ سوءات بعض بنوه.

في رحاب ثورة ديسمبر المجيدة التي كانت الأرض تهتز تحت أقدام الثوار لكن كانت قلوبهم معاً ثابتة كالجبال تنبض فيها ذات الهواجس وتصرخ "بالوحدة ونبذ العنصرية". وفي كل زاوية كان الألم يمتد كالخيوط في جسدٍ عظيم لكنه كان جسداً واحداً. كان الهتاف في ساحة الإعتصام أشبه بنبضات قلب توحدت في لحظة سحرية لحظة تجلت فيها روح السودان التي لا تنكسر.

"يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور" كانت تلك الكلمات رسالةً صادقة لنبذ القبلية والعنصرية حيث أصبحت الوحدة هي الشمعة التي تضيء درب الجميع. كانت دعوة لمصالحة مجتمعية حقيقية كضمادة من العافية تلتف حول هذا الجسد الواحد لتشفيه من جراحات الإنقسامات التي طالما نكأت الجراح. إن ثورة ديسمبر لم تكن مجرد إنتفاضة ضد نظام بل كانت ميلاداً لحلم جديد عميق الجذور لوطنٍ يسكنه الجميع بلا تفرقة أو تمييز.

في تلك اللحظة تتجسد كلمات الكابلي الإنسان: "شيلوه ختوه وطن الجمال" كانت تلك الأبيات بمثابة وعدٍ متجدد إن الجمال في هذا الوطن ليس مجرد أرضٍ جميلة بل هو جمال القلوب. حين يهتفون "عندك ختك ما عندك شيل" انه جمال القيم التي نؤمن بها والأمل الذي نسعى من أجل تحقيقه.

"علوهو وخلوهو في عين المحال" "أبنوهو وأدهو المال والعيال" هي دعوة آخرى لبناء وطنٍ موحدٍ ورفعهِ فوق للثريا مكان وأن يفدوهُ بالغالي والمحال. إن الحرب التي تدور رحاها الآن لن تكسر عزيمة هذا الشعب المسالم الموحد مهما تكالبت عليه المحن.

لأن في كل زاوية من أرض السودان وفي قلب ينبض الأمل بالقوة التي لا تذبل بالوحدة التي لا تتزعزع. هي حرب نعم ولكنها لا تملك القدرة على تحطيم الروح التي تتحد في أوقات الأزمات وتنهض أقوى من ذي قبل. لن تهزم من يتحزمون في الملمات ويغلقون الطرقات بالقلوب قبل العمائم لإكرام الصائمين.

لم تهزم أمثال المناضل الإنسان جرجس روحي الذي يصمد قرابة العامان الان في أمدرمان يقود المبادرة للتكية ويحث الناس على التبرع ليقدم الغذاء والدواء لأهل منطقته دون تميز منهُ ومنهم فقط لأنه هو "سوداني وكفى" أي تلاحم هذا واي وحدة وطنية هذة..!

لنً تظل هذه المحن إلا دروساً تُثري تجاربنا وتجعلنا نتمسك أكثر بحلمنا في الوحدة ومع كل تحدٍ سنجد أن قوتنا تكمن في تماسكنا في وحدتنا في إيماننا بأن السودان أكبر من أي خلاف أكبر من أي أزمة أكبر من أي طائف أو كيان أو مؤسسة.

ففي كل مرة نُجبر على الوقوف مجدداً نقف أكثر صلابة وأكثر توحداً وأكثر حباً لهذا الوطن الذي لا يزال في أعماقنا.

مهما طال الزمن سنخرج من هذه الحرب أقوى نغني سوياً "شيلوه ختوه ... وطن الجمال" ستتجسد كلماتنا في الواقع. سننجو لأننا أقوياء بإيماننا، وسنبني وطناً يليق بنا يلم شملنا تحت سماءٍ واحدة مثل ما كانت ديسمبر منارة لهذا الطريق.

إن المصالحة المجتمعية القاعدية الشاملة هي عملٌ يحتاج إلى عزم الرجال إلى قلوب لا تلين. ليس بالجراح والحروب تُشفى الأوطان بل بالمحبة والعمل كما قال الكابلي:

"زينهو وابنوهو بعزم الرجال" "بأملنا وبعملنا وبالمحنة" "وبوفاء النيل في دمانا نبني جنة". وما أعظم محنتنا ووفاء النيل ونبل النيل وأهل النيل.

ثورة ديسمبر بداية الرحلة والمصالحة المجتمعية هي الطريق الذي يجب أن نسلكه لنصل إلى قلوب بعضنا البعض. حين نتجاوز خلافاتنا ونجعل أيدينا ممدودة للأفق ستصبح حياتنا أكثر إشراقًا كما قال الكابلي:

"ونبتهج نحن وصغارنا" لأن الفرحة وطن ويا له من وطن.

في هذا الطريق سنغني سوياً لأننا نعرف أنه السودان هو ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا كما قال الكابلي:

"يا اصلنا ومنتهانا" "يا حلات مسرح صبانا" "وذكرياتنا ومشتهانا". سنبني سويا وطناً يعكس حبنا، ويمتزج فيه ماضينا الجميل مع أحلامنا الوردية وسيتحقق حلمنا الكبير الذي طالما انتظرناه في وطنٌ موحد ينعم بالسلام والمحبة.

سنبني معاً سودان أخضر بقلوبنا قبل أيدينا إنه الوطن الذي نستحق. سوف يلفُظ السودان تفثهُ ويتطهر بماء التسامح.

رحم الله الكابلي الفنان الإنسان.

حتى نلتقي في وطن الجمال

عام سعيد

مودتي والسلام.

الشهداء الأحياء

معتصم تاج السر

في وطنٍ مزقته الحرب وصراعات لا ترحم برز أبطال غرف الطوارئ كمنارات للإنسانية والسلام.

إنهم ليسوا مجرد متطوعين في المجال الإنساني بل هم "الشهداء الأحياء" الذين وهبوا حياتهم لإنقاذ الآخرين دون خوف ليكونوا امتداداً لنضال الشهداء الذين سبقوهم كشه، وعبدالعظيم، ومطر، وست النفور وآخرين ممن نقشوا أسماءهم في ذاكرة سودان الثورة.

إنهم ذات القلوب والحناجر التي هتفت بالحرية والسلام والعدالة إنهم كانوا جميعاً مشروع للشهادة في أي موكب وإعتصام.

هؤلاء الأبطال الذين ينتمون إلى جيلٍ يدهش مليئ بقيم التضحية والإيثار رفضوا الإستسلام لفوضى الحرب.

إختاروا أن يكونوا جنود السلام في ميادين الدماء يداوون الجراح ويزرعون الأمل ويحملون راية الشجاعة بإسم الإنسانية.

إن وصفهم بـ"الشهداء الأحياء" ليس مبالغة بل هو الحقيقة بعينها.

فهم يعيشون بيننا لكنهم يحملون أرواح الشهداء الذين ضحوا بحياتهم من أجل الوطن.

كشه الذي صرخ بالحرية حتى صمت صوته وعبدالعظيم الذي واجه الرصاص بصدقه ، ست النفور التي كانت شعلة للحرية ونور التضحية ومطر الذي كان ضوءاً في ظلام الصراع والكثير والكثير من شهداء هذا الجيل الذين تركوا إرثاً من النضال والكرامة.

واليوم يحمل أبطال غرف الطوارئ مشاعل هذا الإرث.

في كل مرة يُجلون فيها مصاباً أو يقدمون الدواء لطفل مريض، أو يحمون ناجية من العنف فإنهم يواصلون رحلة الشهداء.

إنهم أخوان الشهداء ليس بالدم بل بالفكرة بالنضال وبإيمانهم العميق بأن السودان يستحق الأفضل.

غرف الطوارئ ليست مجرد غرف أو مراكز للإغاثة بل هي ساحات للكرامة الإنسانية.

فيها يتجسد التضامن في أبهى صوره.

المتطوعون يواجهون الخطر يومياً يعملون بلا كلل أو ملل متحدين الجوع والمرض والحر والبرد والرصاص لأنهم يعلمون أن هناك من يحتاجهم وأن الأرواح التي ينقذونها اليوم قد تكون بداية جديدة للسودان.

إنهم أبطال بلا حدود لا يعرفون الإنتماءات السياسية ولا الأيديولوجيات.

كل ما يعرفونه هو أن الإنسان السوداني يستحق الحياة وأن الوطن الذي يعاني يستحق الحُبّ والسلام.

حين أعلن معهد أبحاث السلام في أوسلو ترشيح غرف الطوارئ السودانية لجائزة نوبل للسلام في إكتوبر 2024 "كرمز للتحدي والصمود" كان ذلك اعترافاً عالمياً بما يقدمه هؤلاء الشباب.

فهم ليسوا فقط رموزاً للصمود بل نموذجاً يحتذى به للعالم أجمع.

إن هذا الترشيح ليس فقط تكريماً لهم فحسب بل للشهداء الذين سقطوا من أجل هذا الوطن وللشعب السوداني الذي يقف شامخاً رغم الجراح.

غرف الطوارئ بقيادة هؤلاء الأبطال هي رسالة واضحة بأن الحرب لا تستطيع كسر روح الإنسانية في هذا الشعب المُعلم.

التحية.......

إلى شهداء ثورة ديسمبر المجيدة إلى شهداء حرب 15 أبريل إلى الجرحى والمصابين إلى المفقودين الذين لم يختفوا من ذاكرة الوطن.

إلى أطفال هذا الوطن ضحايا هذة الحرب.

إلى النازحين واللاجئين الذين يجسدون قوة الصمود.

وإلى أبطال غرف الطوارئ الذين يواصلون المسيرة أنتم الشهداء الأحياء وأنتم روح هذا الوطن ونبضه الحي.

سوف نعود وتعود الديار ونبني سودان الحلم.

لن يهزمونا ما دمتم فينا.

سوف يشرق صباح السودان ويذهب هذا الليل اللئيم الأليم ليصبح من الماضي مهما طال.

كما قال وردي الوطن

"أصبح الصبح كأن الزمن الماضي على الماء نقوش"

سوف يذهب هذا الماضي ولن يعود فقد غُسل هذا الماضي بدماء عزيزة وعرق ودموع.

وسوف ننقش على صخر من ذهب بمِدادِ أخضر كل أحلامنا في وطن معافى حتى تبقى هذة الأحلام دستوراً لهذا الوطن.

سوف نغني للوطن والحبيبة ونتنسم عبق تضحيات ونضال هذا الجيل ويا لها من رائحة كما قال وردي:

"أجمل من رائحة النضال لم أشم رائحة

في صبحك الجليل يا فخر هذا الجيل"

صدقاً وحقاً يا فخر هذا الجيل ويا فخرنا بكم.

سوف نلتقي في الوطن الحلال السودان الأخضر بقلوبنا قبل أيدينا.

ونهتف مع "الجيل الراكب رأس" حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب.

مودتي والسلام

أيام مطفية مصابيحها

معتصم تاج السر

في ظل الظلام الذي يلفّ سماء الوطن تتلاشى ألوان الأمل وتغرق في بحر من الحزن والألم.

تلك الأيام التي كانت يوماً مشرقة وتحمل بين طياتها أحلام الشعب السوداني وعزيمته في الحرية والسلام والعدالة قد تبددت الآن بين دوي التدوين وأنين المكلومين.

وسقطت المصابيح التي كانت تضيء الطريق وملأت سماء الوطن سحباً من الدخان والأسى.

حربٌ لا ترحم تمزّق الأرض وتشرّد الناس فباتت كل زاوية تهمس بذكرى مأساة جديدة.

نعيش مجازرٌ يومية ، وانتقامٌ عارم يكتسح كل ما تبقى من إنسانية.

بينما تواصل الدماء الجريان في شوارع كانت يوماً تنبض بالحياة.

في هذه الأيام "المطفية مصابيحها" تختنق الأنفاس ويتلاشى الأمان ويغدو الحُلم صعب المنال.

لكن بين طيّات هذا الظلام مازال هناك بقايا من الأمل ذلك الأمل الذي لا يموت رغم كل الجراحات يبقى الشعب الحبيب الذي ينبض بالحُبّ والصدق هو الشريان الذي يمد الإنسانية بالحياة.

كما قال محجوب شريف الشاعر الإنسان

"الشعب حبيبي وشرياني"

كلمات تتردد في القلب كما يتردد الصوت في الفضاء.

كلمات تحمل في طياتها أعمق معاني الوفاء والانتماء.

الشعب هو الهوية، هو كل شيء، حتى البطاقة الشخصية لا تكون إلا جزءاً من ذلك الكيان الكبير الذي يجمعنا.

"أداني بطاقة شخصية"

تلك البطاقة التي لا تحمل فقط الاسم، بل تحمل الحلم، التاريخ، والآلام التي عاشها هذا الشعب. فإسم الشعب ليس مجرد كلمة، بل هو سرد لقصص من الشجاعة والصمود، هو تاريخ طويل من النضال والعطاء.

"الأسم الكامل إنسان"

وفي هذه الكلمات يكمن كل المعنى، إذ لا قيمة لأي شخص إلا في ارتباطه بهذا الكائن الذي يدعى "إنسان" وتلك الصفة السامية "الإنسانية".

هو الأمل، هي البذرة التي نزرعها في الأرض لتكبر وتعطي ثمار الحرية والعدالة.

"الشعب الطيب والديّا"

هكذا يصف شاعرنا هذا الشعب الذي لا يقدر بثمن.

فهو ليس فقط شريكاً في الألم والأمل بل هو الأم والأب الذين يرعوا أبناءهم ويزرعوا فيهم أمل الحياة رغم قسوة الظروف.

والديّا هو هذا الشعب الذي لا يترك أبناءه في طريقهم، هو الحامي، الحارس، والأمل المتجدد.

وكأن كلمات محجوب شريف تلتقي مع نبضات قلوبنا جميعاً فهي تذكير دائم بأن الشعب هو نبضنا، هو سبب وجودنا، وكل ما نفعله، نفعله من أجل هذا الكائن الحي الذي يسمى "الشعب".

كما قال محجوب شريف في كلماته العميقة التي تعكس واقعنا الحاضر، وكأنه بيننا هذة الأيام التي نعيش فيها ظروف قد تجعلنا نشعر وكأننا في جُزراً وهمية، لا مكان لها على الأرض في أحداث عدمية صفرية لا حلول أو حدود لها.

"من غيرو الدنيا وقبالو"
"قدامي جزاير وهمية"

إنها تلك هي الصورة التي يرسمها لواقع خالي من الأمل ومن التغيير وبأن الأيام التي نمر بها بلا لون، بلا طعم، بلا رائحة.

"لا لون، لا طعم، ولا ريحة"
"وأيام مطفية مصابيحها"
"زي نجمة بعيدة ومنسية"

أيامنا التي فقدت بريقها وتلاشى فيها الأمل وأصبحنا نشعر كأننا نعيش في عالم بلا إشراق بلا نور يضيء لنا الطريق.

وفي هذه اللحظات المظلمة، يبقى الشعب هو الشمعة الوحيدة التي تضيء لنا هذا الظلام فمهما كانت الأيام حالكة يظل الشعب هو البريق الذي يرافقنا وهو الأمل الذي يبقى في قلوبنا رغم كل المصاعب.

كما يستمر محجوب شريف في قصيدته وينقلنا إلى واقعٍ آخر حيث يصبح النضال مهنة وتدافع حياة ويظل الشعب ذلك المعلم الذي كاد أن يكون رسولاً هادياً.

"المهنة بناضل وبتعلم"
"تلميذ في مدرسة الشعب"

وكأن الشاعر يروي قصتنا مع الحياة، حيث تكون النضالات والآلام هي المدرسة التي تعلمنا فيها.

وأن المدرسة ليست مكاناً أكاديمياً فحسب، بل هي مدرسة الشعب، مدرسة مليئة بالمعاناة، بالأمل، وبالنضال المستمر.

وتظل المدرسة مفتوحة على الشارع، والشارع مفتوح على القلب، لأن الشعب هو القلب النابض.

"المدرسة فاتحة على الشارع"
"والشارع فاتح في القلبِ"

كلمات تعبّر عن تفاعل الحياة اليومية مع قلوبنا حيث لا فواصل بيننا وبين الشارع لا فواصل بيننا وبين الشعب.

الشارع هو امتداد للقلوب التي تطرق أبواب الأمل وهو مرآة للواقع الذي نعيشه.

ومع تلك الأيام الصعبة التي يمر بها الشعب يتحدث محجوب شريف عن ألمنا اليوم في الفقد والشتات والنزوح واللجوء وكأنه بيننا.

"شرد أخواتي وأخواني"
"فتش أصحابي وجيراني"

تلك هي ملامح معاناة الشعب فقد ، فقد الكثيرون أفرادهم وأحبابهم وأصبح يبحث عنهم في أزقة الظلام.

لكن حتى في هذه اللحظات المظلمة يبقى الشعب هو الهدف والحرية هي الغاية.

"خليني في سجنك وانساني"
"في سجنك جوا زنازين"

يتحدث هنا عن المعانات في السجون وإن كانت سجون حقيقية أم سجون الغربة عن الوطن فكل أبناء هذا الشعب لهم منها نصيب وافر.

وايضا يقول بلسان هذا الإنسان السوداني ويعبر عن تضحياته، وأنه مستعد للذهاب إلى أعماق الجحيم من أجل هذا الشعب.

نعم ... تلك الأوقات الصعبة تُعاش لأجل أن تأتي الأيام القادمة أفضل.

الحرية تظل هي الفجر الذي يشرق في النهاية مهما كانت التضحيات.

"الثورة طريقي وأيامي"
"معدودة وتحيا الحرية"

هكذا يختتم محجوب شريف قصيدته مؤكداً أن الثورة هي الطريق الوحيد وأن الأمل في الحرية لا ينطفئ مهما طال الزمن.

من هنا دعونا أن نتعاهد جميعاً بالصبر والتسامح والتسامي فوق الجراح وأن كل شيء يهون من أجل وحدة السودان وسلامة النسيج الإجتماعي.

لنكن يداً واحدة متكاتفين في بناء وطن عزيز على أسس من العدالة والمساواة.

علينا أن ننبذ العنصرية والفتنة القبلية التي لا تخدم سوى تفرقة الصفوف.

إن قوتنا في تنوعنا، وفي قدرتنا على العيش سوياً بسلام واحترام ومحبة فهي السبيل الوحيد لتحقيق المستقبل الذي نطمح إليه.

لا للحرب ، نعم للسلام.

نعم لجيش وطني قومي واحد.

ولدولة المؤسسات المحمية بالدستور.

إن الوحدة هي أملنا والسلام هو غايتنا ولنبذل كل ما في وسعنا لضمان أن يكون السودان بلد يسع الجميع خالياً من الفتن ومترابطاً على أسس من التفاهم والمحبة والسلام لأن الفِتن خطّافة والطَّريق زَلق والقَصد بَعيد.

حنبنيهو البنحلم بيهو يوماتي

وطن شامخ وطن عاتي

وطن خيِّر ديمقراطي

جوبا ... وجْداني وعِنّواني

في الحب الذي يتجاوز الحدود

معتصم تاج السر

تخذلني لغة الكلام والتعبير حين أتحدث عن العلاقة العميقة بين السودان وجنوب السودان، تلك العلاقة التي تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة لتتجسد في وجدان مشترك وحكايات أزلية تربط القلوب قبل الأرض.

كيف يمكن للكلمات أن تحتوي مشاعر أمة واحدة انشطرت، لكنها لم تفقد صدى الماضي الذي يربطها...!!

إن النيل الذي يشق أراضيهما لم يعرف يوماً الحدود فهو يشهد على تاريخ من الانصهار الثقافي والتداخل الاجتماعي الذي لا تفرّقه معاهدات ولا تقسمه خرائط.

السودان وجنوب السودان هما شريكان في الإرث الإنساني الذي خطّه الأجداد، وفي الأحلام التي تسكن قلوب الأبناء.

إنهما ليسا مجرد دولتين، بل روح واحدة تبحث عن الانسجام بين شقيها.

هذه العلاقة ليست مجرد ذكريات ماضٍ مشترك بل هي وعدٌ بمستقبل يمكن بناؤه على أسس جديدة من التعاون والاحترام المتبادل.

العقل يقول إن المصالح بينهما متشابكة وإن استقرارهما مرتبط بيدٍ تمتد للآخر.

أما القلب فينحني إجلالاً لتلك العاطفة التي لم تندثر رغم الجراح.

فالجمال هنا يكمن في التحدي أن نجعل من هذا الإرث المشترك جسراً للسلام لا ساحة للصراعات.

وحين تخذلني لغة الكلام يبقى الأمل هو التعبير الأصدق لأن السودان وجنوب السودان ليسا مجرد جارين، بل توأمين يحتاجان إلى استعادة الوئام الذي يُعيد لهما كمال صورتهما في مرآة التاريخ.

ذكريات وصداقات

كل ما ذكرت الجنوب أتذكر بحنين كبير ذلك اليوم قبل عشرات السنين في مكتب الجوازات والهجرة والجنسية بالخرطوم عندما صافحت المقدم توماس جاك ضابط الجوازات المبتسم دوماً، والذي كان يحمل دفء الجنوب في ملامحه وصوته.

كنت حينها أستخرج جواز سفري الذي في يومها قد حمل توقيعه وما زلت أحتفظ به حتى اليوم ليس فقط كتذكار من مستند رسمي بل كرمز للصداقة والمحبة التي جمعتنا وإمتدت لسنوات.

اليوم الصديق توماس جاك أصبح فريق شرطة يتربع على قمة هيئة جهاز الشرطة في جنوب السودان كما شاهدت في الاخبار منذ مدة، وبرغم عدم تواصلنا قرابة العشرون عاماً ولكن ما زالت تلك المحبة كما هي لا تفصلها حدود ولا تغيرها المناصب فله مني من على البعد خالص المحبة والتقدير.

أخت وعائلة

وهنالك ومضة آخرى في إرث محبتنا لأهلنا في الجنوب أختنا دكتورة ريتا، الأخت التي لم تلدها أمي، وإخوانها وأخواتها الذين كنا معهم كعائلة واحدة نتقاسم الأفراح والآلام نحتفل بالأعياد ونتسامر في الليالي الطوال.

ذكرياتنا معهم تعكس وحدة إنسانية أعمق من كل الانقسامات كأننا أرواح تآلفت منذ الأزل.

نموذج للوحدة

ولا يمكنني أن أنسى حسين الإنسان الذي كان يعمل ضابطاً بالشرطة السودانية الذي جسّد الروح الوحدوية في حياته الشخصية قبل أن تكون شعاراً سياسياً.

كان زوجاً لامرأة من السودان بينما هو من جنوب السودان واستطاع أن يجسد نموذجاً للمحبة والأسرة الفاضلة وتلك العلاقة التي تتجاوز كل الحدود الجغرافية حالهم كحال الكثير من الأسر بين الدولتين.

ولدينا الكثير من الأصدقاء والاخوان على مر مسيرتنا التعليمية والعملية كانوا من جنوب السودان. علاقات تشبه الجسد الواحد الذي يحمل روحين، ارواحاً لا تعرف الانفصال أو الجغرافيا.

دينق قوج: رمز الوحدة

لا يذكر الجنوب الا ويذكر ابن ملكال المناضل الإنسان الفقيد النائب البرلماني دينق قوج الذي فارقنا في خواتيم ديسمبر الماضي.

فقد كان دينق نموذجاً إنسانياً نادراً وحدوياً لا تستطيع أن تميز إن كان سودانياً أم جنوب سوداني لأنه كان الإنسان الذي احتضن الجميع بحُبّ وتسامح.

عندما غادر دنيانا بكاه السودانيون كما بكاه الجنوب سودانيون واختلطت دموعهم كما يختلط النيل الأبيض بالنيل الازرق في كل محبة في الخرطوم.

ذلك النيل الذي يربط الدولتين بكل حنين كان هو .. هو دينق قوج، فقد كان رمزاً للعلاقة الأبدية التي لا يمكن أن تهتز مهما عصفت بنا الظروف.

الحرب والملاذ

وبعد اندلاع حرب أبريل 2023 في السودان لجأ آلاف السودانيين إلى إخوانهم في دولة جنوب السودان وطنهم الثاني الذي احتضنهم بحُبّ وأمان.

كان جنوب السودان نعم الملاذ من ويلات الحرب حيث فتح شعبه قلوبهم وديارهم لإخوانهم الذين شردتهم المعارك.

وقبل الحرب بسنوات طويلة، كان هناك مئات من السودانيين الذين فضلوا العيش والتجارة في دولة جنوب السودان سواء قبل الانفصال أو بعده. ليؤكدوا أن الأرض قد تتغير ملامحها على الورق ولكن العلاقات الإنسانية تظل أقوى من كل حدود.

الفتن والمكائد

إن لعلاقات كهذة ولروابط عميقة بعمق التاريخ والمصير المشترك لابد أن تتربصها الفتن والمكائد وما حدث في الجزيرة لأهلنا من جنوب السودان حيث تعرضوا لاعتداءات وجرائم شنيعة أدمت قلوبنا وندينها بكل المقاييس.

وإن مرتكبي تلك الفظائع هم فئة لا تمت للإنسانية ولا الحقوق ولا الأعراف بصلة، فئة لا تمثل إلا نفسها، ولا تعكس أخلاق السودانيين ولا تاريخهم المشترك مع الجنوب.

يجب أن يُقدم هؤلاء المجرمون إلى العدالة وأن يجدوا العقاب المماثل لفعلتهم وفق القانون والتحقيق العادل.

حكمة الرئيس سلفاكير

وفي ذات السياق نحيي الخطاب المسؤول والقرارات الحكيمة لفخامة الرئيس سلفاكير ميارديت الرجل العظيم الذي حمل على عاتقه مسؤولية احتواء الأحداث الإنتقامية في جنوب السودان ضد مواطنيين سودانيين.

ومؤكداً بحكمته أن الفتنة لا تخدم أحداً وأن المحبة والوحدة هي الطريق الأوحد نحو السلام.

إن الرئيس سلفاكير برصانته ورؤيته العميقة يثبت مرة بعد أخرى أنه ليس مجرد قائد لدولة بل أب للجميع يعمل من أجل شعبه ومن أجل السودان وجنوب السودان ككيان إنساني متصل لا تفصله الجغرافيا ولا تعكره الأحداث العارضة.

جوبا في القلب والعنوان

ولعمق محبتي لأهلي في الجنوب ولمدينة جوبا التي زرتها أكثر من مرة عشقت تلك المدينة التي تبعث في القلب دفئاً لا مثيل له.

جمع لي القدر بصدق محبتي أن أكون من عشاق جوبا المدينة، ومن سكان "شارع/لفة" جوبا بالخرطوم" حيث يقع مسكني في المعمورة جنوبي الخرطوم فحملت جوبا في عنواني لمسكني.

كما لم تغب عن وجداني، بل بقيت محفورة في داخلي، عنواناً للحُبّ والحنين.

ظلت جوبا وجداني وعنواني، مكاناً يحمل بين جنباته ذكريات لا تُنسى، وارتباطاً عميقاً لن ينقضيه الزمان ولا المكان.

الحاجة للعقل والقلب

إننا في الدولتين السودان وجنوب السودان بحاجة ماسة للإنصياع لصوت العقل لتذكُّر أننا أهل وأحباب.

الخرطوم ستعود لتحتضن أختها جوبا بكل محبة وشوق.

فجوبا، كما قال الفنان محمود عبدالعزيز أجمل مدينة.

فصدق حين قال:

"في مدينة جوبا أجمل مدينة"
"طيارة قومي سريع ودينا"
"اشتقنا لـ(مونيكي)"
"و(ماما رجينا)."

نعم لقد كانت جوبا الأم الحنون التي جمعت الفرقان في مباحثات السلام بعد ثورة ديسمبر المجيدة بين حكومة السودان وحركات الكفاح المسلح وألفت القلوب.

وجمعتنا جوبا حين ضاقت بنا نفوس بعض بني وطننا فأشعلوها فوق رؤوسنا حرباً أنهكت الزول السمح والزين.

ما يجمعنا أعظم

أنه بالنظر لكل الذي بيننا تتجلى الحقيقة الواضحة ما يجمعنا أعظم مما يفرقنا، وما يربطنا من أواصر الدم والتاريخ أعمق من كل خلاف.

نحن أبناء النيل، نحمل في قلوبنا إرثاً مشتركاً ومشاعر تتجاوز الحدود.

مهما تباعدت المسافات، فإن أرواحنا تبقى متشابكة كأغصان شجرة واحدة.

يذكرني هنا قول شاعرنا عبد المنعم عبد الحي في رائعته الخالدة أنا أم درمان حين قال:

"أنا ابن الشمال سكنته قلبي
على ابن الجنوب ضميت ضلوعي"

سلام بتاعنكم ناس فى كونجو كونجو

مودتي والسلام ...

السُّودَانُ...قِصَّةُ حُبٍّ لم تُروَ بَعدُ

معتصم تاج السر

في بقعة طيبة من بقاع الأرض حيث يلتقي النيل بالسماء هناك وطن لم تكتمل حكاياته بعد وحُبّ لا يزال ينساب بين أرجائهِ على الرغم من كل التحديات. إنه السودان تلك الأرض الطيبة التي تضم بين تضاريسها تنوعاً بشرياً وثقافياً فريداً يتوارث شعبه منذ الأزل حكايات عن الأمل والصبر والوحدة. لكن وبين كل هذه السطور هناك حكاية حُبّ عميقة لم تُروَ بعد ...!

السودان هو ذلك المكان الذي يحمل في طياته أرواح أصيلة تمتد جذورها عبر التاريخ العميق. من جبال النوبة إلى ثغره الباسم ومن شماله حيث الرمال الذهبية إلى غربه الساحر. يتنقل حُبّ السودان في قلوب أبنائه الذين عاشوا وما زالوا يعيشون معه في أفراحه وأتراحه. لكنه، على الرغم من كل ما عايشه من أحداث وصراعات لم تنتهِ قصته بعد .. !! بل هو في طور التكوين في قلب كل فرد يحمل في نفسه حُبّاً لا ينتهي لهذا الوطن.

إن السودان ليس مجرد وطن جغرافي على الخريطة بل هو عبارة عن روح حية تسكن كل شارع وكل قرية وكل منزل. إذا سرت في طرقات الخرطوم أو تجولت في شوارع مدني ولا في زالنجي ستشعر أن هناك شيئًا يربطك بهذه الأرض شيئاً غير مرئي لكنه ملموس. هو الحُبّ الذي يولد في القلوب قبل أن يراه الإنسان بعينيه.

ولكن مثلما تردد الأجيال القصص عن ماضيها يشهد السودان اليوم تجربة جديدة من الحُبّ والتضحية حُبّ يعيد بناء الوطن بعد سنوات من التحديات وبعد عامان من حرب لعينة دمرت النفوس قبل أن تدمر مقدرات هذا الشعب.

يسطر السودان هذة الأيام قصة حب لم تُروَ بعد ...!!! حُبّ تُسطره عزيمة كل سوداني قاوم وصابر واحتسب في نفسه وأهله وماله وعرضه. حُبّ سطروه ملايين السودانيين الذين لم يفارقوا ديارهم وواجهوا الموت والمهانة والإزلال من المليشيا واعوانها وكل المتأمرين على السودان وشعبه. حُبّ يسطره النازحين في المنافي واللاجئين في أرض الله الواسعة. ضريبة حُبّ دفعها كل فرد في هذة الامة الصابرة المحتسبة فداءاً لهذا الوطن لقد فقدوا الكثير فقدوا أرواحهم وأرواح اعزاء لديهم داخل وخارج الوطن كم من روح فقدت وقُبِرت في مقابر بلبيس و ٦ أكتوبر وعين شمس وغيرها حول العالم ضمت أرواحاً غالية كان غاية مُناها شبر قبر في وطنها السودان. التضحيات عظيمة والمصاب جلل ولكننا أمة قادرة على النهوض من هذة التحديات.

ملاحم اخرى وقصص من التضحيات تسطر من دماء أبنائه الأوفياء وتضحياتهم العظيمة التي تغفو تحت ظلال التاريخ. من أجله لم يبخل عليه أبناؤه بشيء وقدموا أرواحهم فداءً لترابه المقدس شيباً وشباباً في القوات المسلحة السودانية الباسلة وكل الجنود المجهولين في كل القوات النظامية الأخرى وشبابه المتطوعين الذين حملوا السلاح بيد وحلم الوطن باليد الأخرى. هؤلاء الرجال الحقيقيون الذين نذروا حياتهم للدفاع عن الأرض والعِرض وحاربوا في صمت ورحلوا في صمت تاركين خلفهم إرثاً خالداً من الشجاعة والوفاء. هؤلاء هم جنود الوطن الأوفياء الذين ليس لهم مأرب أو مغنم غير التضحية والفداء وصون العرض وتطهير الأرض. لا يحاربون تحت أي أيديولوجيات ولا ينتمون لأي أحزاب أو جماعات فقط من أجل هذا الوطن ولا يبتغون غير واجبهم الذي أقسموا عليه. هؤلاء فقط هم جيشنا وقواتنا وتاج فخرنا وحصن عزتنا الذي لن ينهار.

سوف نحتفل بتحرير الخرطوم وكل أجزاء الوطن من وسطه إلى غربه. لكن يجب أن نتحرر أيضاً من التبعية والرجعية وأن نسعى إلى بناء سودان جديد شامخ وعظيم. نحن أرض عزة ومهابة نحن أهل كرم وبسالة ونحن أهل خيرات لا تُحصى ولا تُعد. لا نحتاج لأحد فقط نحتاج للسلام والأمان والحرية والحقوق والقانون. نحتاج للمحبة ونبذ العنصرية والقبلية والفتنة.

إن أهم فصول حكاية السودان هي أن نسطر المصالحة المجتمعية القاعدية الشاملة. هذه المصالحة ليست دعوة للإفلات من العقاب بل هي دعوة لتطبيق العدالة بكل حزم وإنصاف. ومحاسبة كل من أجرم في حق هذا الوطن أو في حق أبنائه. لكنها في ذات الوقت دعوة للسمو فوق الجراحات والإختلافات من أجل مصلحة السودان. إنها دعوة لنشر روح التسامح التي عرفها شعب السودان عبر الأجيال والعمل معاً لتضميد الجراح ورأب الصدوع لأن البناء الحقيقي لا يبدأ إلا عندما تتصافى النفوس وتتحد القلوب على حُبّ الوطن. إنها دعوة لنسلك معاً طريقاً ثالثاً هو طريق المحبة والسلام يختلف هذا الطريق عن أي طريق آخر فهو طريق حُبّ الشعب لوطنه رغم ما يمر به من صعاب. هذا الحُبّ هو الذي يجعل الجميع يلتفون حول مبادئ الوحدة والتماسك ويجمعهم على أمل مشترك في غد أفضل.

لكن حكاية الحُبّ هذه لم تكتمل بعد ولا بد لها من فصول جديدة تُكتب بيد كل مواطن وكل شخص يؤمن بأن هذه الأرض تستحق أفضل ما يمكن أن نقدمه. لم تُروَ حكاية السودان بالكامل ولا تزال هناك فصول لم تُكتب بعد إنها فصول من الأمل من التغيير من النضال الذي ينبض به قلب كل سوداني مخلص.

السودان قادم لا محالة منتصراً أبياً. لكن لن تكتمل الحكاية حتى نعيد بناء الوطن بكل ما يملكه من طاقات وإمكانات. حتى نحتفل بكل فوز صغير كما نحتفل بالانتصارات الكبرى. لأن حُبّ السودان هو في النهاية ليس مجرد كلمات بل هو أفعال هو العمل المشترك بين الجميع من أجل بناء مجتمع يليق بتاريخه ومستقبله.

السودان ... حكاية حُبّ لم تُروَ بعد ...!!! لكننا نكتب فصولها مع كل لحظة وكل خطوة نحو التقدم بالمحبة والسلام. سوف تشرق صباحاتك يا وطن ....

بكرة يانع وبكرة أخضر
بكرة أبهى وبكره أجمل
بكرة بتزول المواجع
وتشرق أرواحنا وتفرهد
ويرحل الحزن الطوانا
وينجبر لقلوبنا خاطر

محبتي والسلام

شعبان...همسات التوبة وأطياف الرجاء

معتصم تاج السر

في هدوء الليالي العذبة يتسلل شهر شعبان إلى أرواحنا كالفجر البهي يحمل نسمات الأمل ويغسل عن قلوبنا غبار الأيام. هو شهرٌ يحمل في طياته نبض الاستعداد وتجديد العهد مع الله. حيث تتفتح أبواب الطاعة وتُضاء دروب القلوب استعداداً لاستقبال رمضان، شهر النور والسكينة والجمال.

شعبان ليس مجرد شهرٌ عابر بل هو جسر بين الغفلة واليقظة بين البُعد والقرب. فيه تتعطر الأرواح برائحة الصيام وتغتسل الذنوب برحيق الدعاء. إنه شهر الأحلام البيضاء التي تقترب فيها الأرواح من سماء الخشوع كما يقترب الليل من النجوم في عناقٍ أزلي. ورد في أصل تسمية شهر شعبان عدة روايات منها أنه سُمي بذلك لتشعب العرب فيه في طلب المياه بعد قلة الأمطار. وقيل أيضًا لتشعبهم في الغارات بعد انتهاء شهر رجب الذي كانوا يعظمونه ويكفون فيه عن القتال. وهناك من يرى أن الاسم جاء لتشعب الخير فيه وتعدد فرص البر والطاعة.

إن الصيام في شعبان عزيمة الأنفس وطهارة الأرواح والأعمال حين رفعها لله العلي المتعال. عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَصُومُ حتَّى نَقُولَ: لا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ حتَّى نَقُولَ: لا يَصُومُ، فَما رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إلَّا رَمَضَانَ، وما رَأَيْتُهُ أكْثَرَ صِيَامًا منه في شَعْبَانَ.»

وعنها أيضًا قالت: «كانَ أحبَّ الشُّهورِ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أن يصومَهُ شَعبانُ، بل كانَ يصلُهُ برَمضانَ.»

كما جاء عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: «يا رسولَ اللَّهِ! لم أرك تَصومُ شَهْرًا منَ الشُّهورِ ما تصومُ من شعبانَ؟! قالَ: ذلِكَ شَهْرٌ يَغفُلُ النَّاسُ عنهُ بينَ رجبٍ ورمضانَ، وَهوَ شَهْرٌ تُرفَعُ فيهِ الأعمالُ إلى ربِّ العالمينَ، فأحبُّ أن يُرفَعَ عمَلي وأَنا صائمٌ.»

فيه ليلة النصف من شعبان إنها ليلة لا تشبه الليالي رغم إنها لم تختص بعبادة محددة على قول الفقهاء. ولكنها تتلألأ القلوب بالدعاء وتزهر النفوس بالرجاء. وردت في فضل هذه الليلة عدة أحاديث منها ما رواه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه، فيغفر للمؤمنين، ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه."

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن."

وقال عطاء بن يسار: "ما من ليلة بعد ليلة القدر أفضل من ليلة النصف من شعبان، يتنزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فيغفر لعباده كلهم، إلا لمشرك أو مشاجر أو قاطع رحم."

إختلف العلماء في مشروعية صيام يوم الشك وهو اليوم المتمم الثلاثين من شعبان إذا لم يُرَ هلال رمضان يوم التاسع والعشرين من شعبان بالليل. وأكثر العلماء على أن صومه مكروه إذا صامه الشخص معتقداً أنه قد يكون من رمضان. والأصل في النهي عنه ما رواه البخاري وأبو داود والنسائي والترمذي عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم.»

إن شعبان بوابة النور إلى رمضان بل هو ذاك العهد الصادق الذي نقطعه مع الله هو أملنا أن نرتب أرواحنا كما نرتب بيوتنا لاستقبال الضيف الكريم، رمضان. كم من حلمٍ وُلد في شعبان وكم من دعوةٍ حلقت في سماءه وعادت محملة بنور المغفرة.

وفي هذه الأيام المباركة نسأل الله أن يبلغنا رمضان والسودان يرفل في سلام ومحبة. وأن تزهر أرضه حياةً بعد الدمار وتُروى بعرق الأمل بدلاً من دماء الفتن والأشلاء. وأن تسكن أصوات البنادق وتحل محلها دعوات الأمان والتآخي.

فلنجعل من شعبان لحظة ميلاد لأرواحنا نتطهر فيه من الحقد والشحناء، ونتزين بالحب والتسامح. لعلنا نكون ممن تقبلهم السماء وتغمرهم ببركاتها.

مبارك عليكم شعبان وبلغنا الله وإياكم رمضان وأعاننا فيه على الصيام والقيام وصالح الأعمال.

ابقَ على اتصال

كل مقالة جديدة هي رسالة جديدة — رسالة من الروح إلى الروح
معتصم تاج السر

تواصل معي لتكون أول من يقرأ ما يجول في روحي. كل رسالة منك تثري هذا الحوار الصامت بين القلوب.

تواصل معي

أو اذهب إلى صفحة الاتصال لمراسلتي مباشرة

دعنا نتواصل

أحب أن أسمع منك. شارك أفكارك، انطباعاتك، أسئلتك، أو أي شيء يجول في بالك. كل رسالة هي محادثة جديدة، كل كلمة هي خيط في نسيج الاتصال الإنساني.

أو يمكنك التواصل معي مباشرة عبر البريد الإلكتروني:

mutasimtag@yahoo.com