يا غابةً مِنّ الأبنوس وحدك
في نعي المناضل الإنسان دينق قوج
معتصم تاج السر
بقلوب حزينة ونفوس مثقلة بالفقد، ننعي المناضل الكبير دينق قوج، الذي رحل عن دنيانا بعد معاناة قصيرة مع المرض، تاركاً إرثاً وطنياً وإنسانياً سيظل خالداً في ذاكرة السودانيين بشمالهم وجنوبهم. لقد كان دينق قوج نموذجاً فريداً للمثقف والمناضل الذي حمل في قلبه حباً خالصاً للسودان، بشقيه الشمالي والجنوبي، وآمن بأن مستقبل البلدين يكمن في بناء دول مدنية ديمقراطية تسودها قيم الشفافية والعدالة.
سوداني الهوى والهوية
لم يكن دينق قوج مجرد اسم في سجل النضال الوطني، بل كان "زولاً سودانياً كامل الدسم"، شخصية جامعة تمثل الروح السودانية المتسامحة والمتفانية. عرف عنه عشقه للسودان بكل مكوناته، وحرصه على تجاوز الحواجز العرقية والجغرافية، رافعاً راية الوحدة والإنسانية فوق كل انقسام. لقد مثّل رمزاً شعبياً يلتف حوله السودانيون، سواء في الشمال أو الجنوب، لأنه كان يرى في الجميع إخوة في وطن واحد.
نضاله من أجل الدولة المدنية
آمن دينق قوج بأن الحل لمشكلات السودان وجنوب السودان يكمن في بناء دول مدنية ديمقراطية تحترم التعددية وتقوم على أسس الشفافية والعدالة. كان صوتاً مدافعاً عن حقوق الإنسان والحريات، وداعماً للتعايش السلمي بين مختلف الأعراق والمكونات. ظل يدعو إلى نبذ القبلية والطائفية، مشدداً على أهمية الوحدة الوطنية القائمة على المساواة واحترام التنوع الثقافي والاجتماعي.
دراسته في جامعة الزقازيق
بدأ دينق قوج مسيرته الأكاديمية في جامعة الزقازيق بمصر، حيث التقى بأجيال من الطلاب السودانيين وغيرهم من أنحاء العالم. كانت هذه التجربة محطة محورية في حياته، إذ صقلت وعيه السياسي والاجتماعي، وجعلته يدرك أهمية التعليم والمعرفة في تحقيق التحول الديمقراطي والتنمية. خلال دراسته، كان ناشطاً مؤثراً في الأوساط الطلابية، وكرّس جهوده لتعزيز قيم الوحدة والعمل الجماعي.
رمز شعبي
في شمال السودان وجنوبه
من النادر أن تجد شخصية تحظى بتقدير ومحبة واسعة في شطري السودان مثل دينق قوج. كان جسراً يربط بين الشمال والجنوب، وحلقة وصل بين الثقافات المختلفة التي تشكل الهوية السودانية. استطاع بحكمته وطيبته أن يكون رمزاً شعبياً يحظى بالاحترام من الجميع، لأنه لم يكن ينتمي إلا للوطن، ولم يدافع إلا عن قضايا المواطن السوداني البسيط.
وفاته خسارة وطنية
برحيل دينق قوج، فقد السودان وجنوبه أحد رموزه الوطنية الأصيلة، ورجلاً ناضل حتى آخر لحظات حياته من أجل قضايا الحرية والكرامة. كانت معاناته مع المرض قصيرة، لكنها لم تمنعه من الاستمرار في العطاء الفكري والنضالي. ترك وراءه إرثاً غنياً من القيم والمبادئ التي ستظل نبراساً للأجيال القادمة.
إرثه الذي يبقى
لن يكون دينق قوج مجرد ذكرى عابرة، بل سيظل اسمه محفوراً في وجدان السودانيين كنموذج للإنسان السوداني المتفاني الذي جعل من حياته رسالة محبة ووحدة. إرثه النضالي والفكري سيبقى مصدر إلهام لكل من يحلم بوطن تسوده الحرية والديمقراطية.
كلمة وداع
نودع اليوم دينق قوج، لكن روحه ستظل حاضرة بيننا، تنير دروب النضال من أجل سودان وجنوب سودان تسودهما قيم الشفافية والعدالة. نتقدم بخالص التعازي لأسرته وأصدقائه ومحبيه.
رحل دينق ولكن كلماته التي قالها يوم اندفاع حرب الخرطوم للمؤجرين لعقاراته في الخرطوم فقد قالها لهم عبر صفحته في الفيس بوك وهذا نصها:
"الكانوا مؤجرين بيوتي في الخرطوم العفو والعافية مافي أي حساب بينا وربنا يعوضكم"
أي نبل وأي إنسانية فيك أيها الأبنوسي المُعلم.
لقد رحل الجسد، لكن الحلم الذي حمله دينق سيظل حياً في قلوبنا جميعاً.